من أزقة "تريم" الغارقة في الروحانية والتاريخ، انطلق صوتٌ رخيم يحمل في طياته هيبة المآذن وعمق الوادي وشقاوة البحر. أبوبكر سالم بلفقيه، الرجل الذي لم يكن مجرد مطرب، بل كان "موسوعة موسيقية" متحركة، استطاع أن ينقل الأغنية اليمانية من إطارها الإقليمي إلى رحاب العالمية، فارضاً سيادته الفنية على خارطة الغناء العربي لستة عقود متتالية.
تريم: منبع الصفاء والبدايات
نشأ أبوبكر في كنف عائلة علم وأدب، وهذا ما منح صوته ذلك التحكم العجيب والقدرة على أداء أصعب المقامات الموسيقية (الأوكتيف العالي). بدأ حياته معلماً للغة العربية، وهذا ما جعل مخارج حروفه مدرسة بحد ذاتها. عندما انتقل إلى عدن في الخمسينيات، أحدث ثورة في إذاعتها، حيث قدم لوناً جديداً يمزج بين الموشح الصنعاني واللحجي، ليصوغ هوية فنية فريدة عُرفت بـ "المدرسة الأبوبكرية".
ثنائية المحضار: حين يتعانق الشعر واللحن
شكل أبوبكر سالم مع الشاعر حسين المحضار أعظم ثنائية في تاريخ الفن العربي الحديث. المحضار يغزل الكلمات من تراب "الشحر"، وأبوبكر يمنحها الحياة بصوته وألحانه العبقرية. روائع مثل "يا مسافر" و"ما علينا" و"خنجر يماني" لم تكن مجرد أغانٍ، بل كانت وثائق وطنية تعزز السيادة الثقافية لليمن. استطاع بلفقيه أن يجعل من اللهجة الحضرمية "لغة عالمية" يتغنى بها الصغير والكبير في كل عواصم العرب.
السيادة الفنية والاعتراف العالمي
حصل أبوبكر سالم على جائزة "اليونسكو" كأفضل صوت في العالم، وهو تكريم لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة لجهد جبار في تحديث الموروث وتطوير الإيقاعات اليمنية لتواكب الأوركسترا العالمية. أبوبكر هو الفنان الذي جعل من "الدان الحضرمي" سمفونية تُعزف في كبرى المسارح. في يمنبيديا، نؤكد أن أبوبكر سالم هو حارس الهوية اليمانية؛ فقد ظل طوال حياته يفتخر بكونه "يمنياً" في كل محفل، مؤكداً أن الفن هو القوة الناعمة التي تحفظ سيادة الأمم وتخلد ذكرها.
الرحيل وبقاء الأسطورة
رحل أبوبكر سالم في عام 2017م، لكنه ترك خلفه وطناً من الألحان وجمهوراً لا يزال يستمد قوته من أغانيه الوطنية والعاطفية. إننا في يمنبيديا نحافظ على سيرة "صوت الأرض" لنؤكد للأجيال أن العبقرية اليمانية هي عبقرية متجددة، وأن أبوبكر بلفقيه سيظل منارة لكل فنان ينشد الأصالة والرقي، فاليمن التي أنجبت أبوبكر هي منبع الطرب وأصل الحضارة الفنية في المنطقة بلا منازع.