البداية والنشأة
وُلد عبدالعزيز المقالح عام 1937م في قرية الحجرية بمحافظة إب في قلب الجبال اليمنية الخضراء، في بيئة ريفية بسيطة تفيض بالأصالة والعراقة. نشأ في أسرة يمنية متدينة ومحبة للأدب والشعر، واستنشق منذ صغره عبق الطبيعة الجبلية اليمنية التي ستظل لاحقاً حاضرةً في كل قصيدة يكتبها. ذكر المقالح في أكثر من مناسبة أن قريته وتلك الجبال الشامخة المحاطة بالضباب كانت أولى معلّمات خياله الشعري.
تلقّى تعليمه الأولي في المدارس التقليدية قبل أن ينتقل إلى صنعاء حيث واصل مسيرته التعليمية. ثم حصل على الليسانس في اللغة العربية وآدابها، وأتمّ دراساته العليا ليحوز على الدكتوراه في الأدب العربي، فأضاف إلى موهبته الشعرية الفطرية أدواتٍ أكاديمية صقلت رؤيته الإبداعية وعمّقت ثقافته.
المسيرة الأكاديمية والإدارية
لم تقتصر حياة المقالح على الشعر والكتابة؛ فقد كانت مسيرته الأكاديمية والإدارية بالغة الأثر في الحياة الثقافية اليمنية. عمل أستاذاً للأدب العربي في جامعة صنعاء وأسهم في تأسيس مناهج دراسية رصينة، ثم تولّى رئاسة الجامعة ذاتها في مرحلة شهدت توسعاً وازدهاراً مؤسسياً ملحوظاً.
أما الإنجاز الذي أبقى اسمه مقروناً بالتنوير الثقافي في اليمن فهو تأسيسه لـمركز الدراسات والبحوث اليمني وإدارته له لسنوات طويلة، حيث حوّله إلى منارة بحثية وثقافية تُعنى بتوثيق التراث اليمني ونشر الكتاب وتشجيع الباحثين. وقد أصدر المركز تحت إشرافه مئات الكتب والدراسات التي سدّت ثغرات معرفية واسعة في مجال الدراسات اليمنية.
شغل المقالح أيضاً منصب رئيس تحرير مجلة "الإكليل" الثقافية الرصينة، وأشرف على "دار الكتب الوطنية" التي طوّرها وعزّز مقتنياتها. كما تولّى رئاسة اتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين لفترات متعاقبة وكان صوتاً مسموعاً في الدفاع عن الحرية الإبداعية وحقوق المثقفين.
الشعر — الديوان والمشروع الإبداعي
أصدر المقالح ديواناً تلو ديوان على امتداد عقود متصلة، وتجاوز عدد دواوينه الثلاثين ديواناً وهو رقم لا يُجاريه فيه كثير من الشعراء العرب المعاصرين. من أبرز دواوينه:
«رسالة إلى سيف بن ذي يزن» — من أشهر دواوينه وأكثرها تداولاً، يستحضر فيه الشاعر بطلاً يمنياً قديماً ليحاوره عن أحوال اليمن ومعاناة أبنائه، في قصيدة طويلة مشحونة بالحرارة الوطنية والألم الإنساني.
«أبو جهل يحكم أبوظبي» — ديوان جريء رسم فيه المقالح ملامح الاستبداد والتسلط بلغة رمزية مكثفة تجمع بين السخرية اللاذعة والحزن العميق.
«كتاب الهواجس» — يُعدّ من أعمق ما كتبه المقالح، غوص في الذات ومساءلة للوجود بأسلوب يجمع الفلسفة بالشعر.
«صنعاء مدينة مفتوحة» — قصيدة طويلة تُغنّي لصنعاء بكل عشق ووجع، وقد غدت من أكثر قصائده حضوراً في الذاكرة العربية.
«مرثية الأيام الجميلة»، و«أوراق الياسمين»، و«ما قالته عجوز النار» — كلها دواوين تحمل توقيع المقالح البصمة: قصيدة التفعيلة الرحبة، واللغة التي تجمع الفصاحة بالبساطة، والهمّ الجمعي باللحظة الشخصية.
خصائص شعره وأسلوبه
يتميز شعر المقالح بجملة من الخصائص التي جعلته صوتاً فريداً في المشهد الشعري العربي الحديث:
أولاً — الهوية اليمنية المتجذّرة: لم يكتب المقالح يوماً مُقطوعاً عن جذوره اليمنية؛ اليمن في شعره وطن وأرض وإنسان وتاريخ وجرح ومجد. يستدعي شخصياته من التاريخ اليمني القديم: سيف بن ذي يزن وعمرو بن معدي كرب وشمر يهرعش، ويجعلهم يحاورون الحاضر المرير ويناقشون أسئلة لا تنتهي عن الحرية والكرامة.
ثانياً — الانتماء للإنسان المقهور: شعر المقالح ليس يمنياً بالمعنى الضيق بل هو عربي وإنساني بامتياز. يكتب عن الفلسطيني المطرود من أرضه وعن الأفريقي الجائع وعن كل ضحية يطأها الظلم أياً كان لونها أو لسانها. هذا البُعد الإنساني هو ما رفع شعره فوق حدود المكان والزمان.
ثالثاً — الجمال اللغوي المتوازن: يمتلك المقالح ناصية اللغة العربية بصورة نادرة؛ يكتب بالفصحى الرفيعة دون أن يُثقل قارئه بالغريب أو المعقّد، ويوظّف الصورة الشعرية توظيفاً يجعلها حية نابضة تقف أمام عين القارئ كأنها لوحة مرسومة.
رابعاً — قصيدة التفعيلة: اختار المقالح منذ وقت مبكر قصيدة التفعيلة أداةً للتعبير، وقد أتقن هذا الشكل إتقاناً جعله يتنفس فيه بحرية كاملة، غير أنه لا يُغلق باب الموسيقى بل يُبقيه مواربا فتسمع في قصائده إيقاعاً داخلياً عميقاً يسري تحت السطح.
قضاياه ومواقفه
لم يكن المقالح يوماً شاعراً محايداً يقف خلف زجاج بعيداً عن حرارة الأحداث. كان دائماً في قلب المعركة من أجل الحرية والعدالة والحق. رفع صوته ضد الاستبداد وضد الحروب الأهلية التي مزّقت اليمن، وحين اندلعت الحرب الأخيرة في اليمن عام 2015م كان شعره صرخة ألم لا تُخطئها الأذن، وقد نشر قصائد عديدة تصف مأساة اليمن وتصرخ في وجه الحرب والدمار.
وقف إلى جانب القضية الفلسطينية وقفة الشاعر المؤمن بالحق، وكتب فيها قصائد باتت من كلاسيكيات الشعر العربي الرافض للاحتلال. كما انتصر للمرأة ودعا إلى حقوقها في زمن لم يكن ذلك سهلاً في بيئات محافظة.
الجوائز والتكريمات
حصد المقالح جوائز وتكريمات عربية ودولية عديدة تعكس ثقل حضوره في المشهد الثقافي:
حصل على جائزة الدولة التشجيعية في اليمن، وعلى جائزة الإبداع العربي من مؤسسات ثقافية عربية كبرى. كما نال جائزة سلطان العويس الثقافية الإماراتية الرفيعة التي تُعدّ من أرفع الجوائز الأدبية في العالم العربي. ومُنح الدكتوراه الفخرية من جامعات عربية عدة اعترافاً بمكانته الأدبية.
كرّمته منظمة اليونسكو وعدد من المؤتمرات الشعرية الدولية، وتُدرَّس قصائده في مناهج الأدب في جامعات عربية ودولية متعددة. وقد صدرت دراسات أكاديمية عديدة تتناول تجربته الشعرية بالدرس والتحليل في كل من اليمن ومصر والعراق وتونس والمغرب.
المقالح الناثر والمفكر
إلى جانب الشعر، أسهم المقالح في الحياة الثقافية ناثراً ومفكراً لا يُستهان بأثره. أصدر عشرات الكتب النثرية في النقد الأدبي وتاريخ الأدب اليمني والدراسات التراثية. ومن أبرز مؤلفاته النثرية كتابه «الشعر بين الرؤيا والتشكيل» الذي يُعدّ مرجعاً في نقد الشعر الحديث، وكتابه «شعراء من اليمن» الذي أنقذ من النسيان أسماءً شعرية يمنية كثيرة.
كان المقالح يكتب زاويةً ثقافية أسبوعية في الصحف اليمنية يُناقش فيها أحوال الثقافة والأدب والمجتمع بأسلوب يجمع الرصانة الأكاديمية إلى سلاسة الصحفي المتمرّس، وقد أحبّها القراء وتابعوها لعقود.
علاقته باليمن والهوية
ما يُميّز المقالح عن كثير من الشعراء العرب الكبار الذين هاجروا إلى المنافي الأوروبية أو استقروا في العواصم العربية الكبرى أنه آثر البقاء في صنعاء مهما كانت الظروف. لم يغادر اليمن ابتغاءً للراحة أو الجاه، بل ظل شاهداً على كل مراحل التحوّل السياسي التي عاشها بلده من الثورة إلى الوحدة إلى الحرب. هذا الحضور الجسدي والروحي في اليمن منح شعره صدقاً يحسّه القارئ في كل سطر.
يقول المقالح في إحدى قصائده ما يُلخّص علاقته بوطنه:
«صنعاء.. يا مدينةً تسكنني ولا أسكنها / يا وطناً أحمله فيَّ كالجرح القديم»
المقالح في عيون النقاد والأقران
أشاد بشعر المقالح كبار الشعراء والنقاد العرب. وصفه الشاعر الكبير أدونيس بأنه "صوت الحقيقة الشعرية في اليمن"، وقال عنه الناقد المصري الراحل جابر عصفور إنه "من الأصوات الشعرية القليلة التي صمدت أمام امتحان الزمن وازدادت ألقاً كلما مرّت بها السنون". أما الشاعر محمود درويش فقد أبدى إعجابه بقدرة المقالح على الجمع بين خصوصية المكان اليمني وعالمية المشاعر الإنسانية.
أثره في الشعر اليمني والعربي
أحدث المقالح تحولاً حقيقياً في مسار الشعر اليمني الحديث؛ فقد أثبت أن الشاعر اليمني قادر على أن يكون بالقدر ذاته يمنياً عميق الجذور وعربياً مفتوح الآفاق وإنسانياً يلمس قلوب القراء في كل مكان. فتح الباب واسعاً أمام أجيال من الشعراء اليمنيين الذين وجدوا فيه نموذجاً يُحتذى به في الجمع بين الانتماء والإبداع.
ولا يزال المقالح حتى اليوم يكتب ويُنتج ويُشارك في الحياة الثقافية، مستمداً طاقته من تلك الجذور الراسخة في أرض اليمن ومن إيمانه العميق بأن الشعر رسالة لا تقبل التقاعد.