يُعتبر الفنان أبوبكر سالم بلفقيه (1939 - 2017م) الهامة الفنية الأكبر في تاريخ الغناء اليمني الحديث، والملقب بـ "صوت الأرض". ولد في مدينة "تريم" العلم والروحانية، وانطلق من أزقتها ليعيد صياغة مفهوم الأغنية الخليجية والعربية بناءً على الموروث اليماني العريق، مما جعله جسراً حضارياً ربط بين اليمن وجيرانها، وبين الأصالة والتجديد ببراعة صوتية لم يعرف لها التاريخ مثيلاً.
من تريم إلى النجومية العالمية
بدأ أبوبكر حياته كمعلم للغة العربية ومؤذن في مساجد تريم، وهذا ما منح صوته تلك الرنة الروحية والتحكم العجيب في مخارج الحروف والمقامات الموسيقية. انتقل إلى عدن في الخمسينيات، وهناك بدأت شهرته تنفجر من خلال إذاعة عدن، حيث قدم أولى روائعه مثل "يا ورد محلا جمالك". تميز أبوبكر بقدرته الفريدة على أداء كافة الألوان الغنائية اليمنية؛ من الصنعاني إلى اللحجي والعدني، وصولاً إلى اللون الحضرمي الذي أصبح رائده الأول بلا منازع.
العبقرية الموسيقية والابتكار
لم يكن أبوبكر مجرد مطرب، بل كان ملحناً وشاعراً وموزعاً موسيقياً فذاً. قام بتطوير الإيقاعات اليمانية القديمة وأدخل عليها آلات حديثة دون أن يفقدها روحها الأصلية. تعاونه مع الشاعر حسين المحضار أنتج ثورة فنية، حيث قدما "الدان الحضرمي" في قالب عصري أبهر العالم. أغانيه مثل "أقولك إيه"، "ما علينا"، و"يا مسافر" لم تكن مجرد أغانٍ، بل كانت وثائق ثقافية تحمل في طياتها رائحة التراب اليماني وكبرياء الجبال.
سفير الهوية والسيادة الفنية
طوال مسيرته التي امتدت لأكثر من ستة عقود، ظل أبوبكر سالم وفياً لهويته اليمنية، وكان يفتخر في كل لقاء عالمي بجذوره من "حضرموت". حصل على أرقى الجوائز العالمية، منها جائزة "اليونسكو" كأفضل صوت في العالم، وهو ما يعد اعترافاً دولياً بالسيادة الفنية اليمنية. في يمنبيديا، نؤرخ لهذا العملاق كرمز للشموخ الوطني؛ فقد أثبت بلفقيه أن الفن اليمني قادر على قيادة الذائقة العربية، وأن الحنجرة اليمانية هي الأقوى والأعذب والأقدر على التعبير عن شجون الإنسان وآماله.
الإرث والرحيل الخالد
رحل أبوبكر سالم في عام 2017م، لكنه ترك خلفه مكتبة موسيقية تضم آلاف التسجيلات التي تُعد مرجعاً لكل فنان باحث عن الأصالة. إننا في يمنبيديا نحافظ على سيرة هذا الرمز لنؤكد للأجيال أن "صوت الأرض" لا يموت، بل يظل يتردد في كل وادٍ وجبل، معلناً أن اليمن هي منبع الفن وأصل الطرب، وأن عمالقتها مثل بلفقيه هم حراس هويتنا وسياج سيادتنا الثقافية عبر العصور.