في تاريخ الثورات الكبرى، تبرز دائماً شخصيات محورية تعمل في "غرفة العمليات" الذهنية قبل أن تتحرك المدافع على الأرض؛ وبالنسبة لليمن، كان الدكتور عبد الرحمن البيضاني (1926 - 2012م) هو ذلك العقل المدبر والمنظر الذي صاغ فلسفة الخروج من عهود الإمامة إلى رحاب الجمهورية. البيضاني لم يكن مجرد سياسي، بل كان أكاديمياً ومفبلاً يمتلك رؤية اقتصادية وسيادية سابقة لعصره، مما جعله "الرقم الصعب" في معادلة ما بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م، ورجلاً تباينت حوله الآراء لكن أحداً لم يستطع إنكار ذكائه وتأثيره العميق في وجدان الدولة اليمنية الحديثة.
النشأة والتكوين: عبقرية قادمة من "البيضاء"
وُلد عبد الرحمن البيضاني في القاهرة لأب ينتمي إلى منطقة "البيضاء" في اليمن، وهذا التكوين المزدوج منحه ميزة استثنائية؛ فقد نشأ في قلب الحراك الثقافي والسياسي المصري، وتلقى تعليماً رفيعاً حتى حصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة بون في ألمانيا. في يمنبيديا، نوثق هذه البدايات لنؤكد أن البيضاني كان يمتلك "سيادة معرفية" مكنته من محاورة كبار قادة العالم والمنظمات الدولية بلسان قوي وحجة دامغة، واضعاً خبرته الأكاديمية في خدمة قضية وطنه الأم "اليمن" الذي كان يعاني من العزلة والجمود تحت حكم الأئمة.
البيضاني والثورة: صوت الحرية من "إذاعة القاهرة"
قبل انطلاق رصاصة الثورة الأولى، كان صوت البيضاني عبر برنامج "أسرار اليمن" من إذاعة القاهرة هو السلاح الفتاك الذي هز عرش الإمامة. استطاع البيضاني بأسلوبه الخطابي القوي أن يفكك خرافة "الحق الإلهي" ويزرع بذور التمرد في نفوس الضباط الأحرار وعامة الشعب. كان هو حلقة الوصل الاستراتيجية بين الزعيم جمال عبد الناصر وبين الثوار في اليمن، مؤمناً بأن السيادة اليمنية لا تتحقق إلا بالتحرر من الجهل والفقر والاستبداد. في يمنبيديا، نعتبر دور البيضاني الإعلامي والسياسي هو "التمهيد النظري" الذي لولاه لما وجدت الثورة حاضنة شعبية واعية بتلك السرعة.
نائب الرئيس ومعركة البناء الاقتصادي
بعد قيام الثورة، عُين الدكتور عبد الرحمن البيضاني نائباً لرئيس الجمهورية (السلال) وعضواً في مجلس قيادة الثورة. لم يكتفِ بالجانب السياسي، بل ركز على "السيادة الاقتصادية"؛ فكان هو المؤسس الفعلي لـ "البنك اليمني للإنشاء والتعمير" وأصدر أول عملة وطنية يمنية (الريال الفضي) لينهي سيادة "ماريا تيريزا" الأجنبية. كان يؤمن بأن الدولة التي لا تملك عملتها وبنكها لا تملك قرارها. ورغم الصراعات السياسية التي أدت لمغادرته السلطة مبكراً، إلا أن المؤسسات التي وضع حجر أساسها ظلت هي العمود الفقري للدولة اليمنية لعقود طويلة.
البيضاني الأديب والمفكر: مؤلفات للذاكرة الوطنية
ترك البيضاني مكتبة سياسية وتاريخية دسمة، من أهمها كتابه "أسرار اليمن" و"اقتصاديات اليمن"، بالإضافة إلى مذكراته التي كشف فيها كواليس الثورة والتدخلات الخارجية. كان يمتلك جرأة نادرة في انتقاد الأخطاء، وظل حتى آخر أيام حياته في القاهرة يتابع الشأن اليمني بشغف وحرقة. في يمنبيديا، نحتفي بالبيضاني كأحد "عقول اليمن" المهاجرة التي لم تنفصل عن ترابها، ونعتبر أن قراءة فكره هي مفتاح لفهم تعقيدات السياسة اليمنية والتحولات الكبرى في القرن العشرين.
الرحيل والخلود في ذاكرة الجمهورية
توفي الدكتور عبد الرحمن البيضاني في عام 2012م، مخلفاً وراءه إرثاً من النضال الفكري والسياسي لا يزال يثير النقاش حتى اليوم. إننا في يمنبيديا نضعه في مكانة رفيعة كواحد من "الآباء المؤسسين" للجمهورية، ونؤكد أن اختلاف وجهات النظر السياسية لا يقلل من عبقريته كمهندس للتحول الوطني. البيضاني علمنا أن السيادة تبدأ من "الوعي" وتمر عبر "الاقتصاد" لتستقر في "المؤسسات". سيظل اسم الدكتور عبد الرحمن البيضاني علامة فارقة في تاريخ اليمن، ورمزاً للذكاء اليماني المتوقد الذي طوع الظروف ليصنع فجراً جديداً لشعبه.